بينما تضاء الأنوار المطفأة، وتدب الحياة من جديد فى مقراتها التى طال إغلاقها.. تعلن دار الخدمات النقابية والعمالية عن اختتام فصلاً مريراً فى كتابها الحافل.. واضعة القلم عن سطره الأخير المشرق بالنصر والأمل، ومقدمةً أجمل باقات الورود إلى كل من ساندها فى أيام شتائها الغائمة ..امتناناً بالفضل واعترافاً به لأهله.
لقد واجهت دار الخدمات النقابية والعمالية على امتداد خمسة عشر شهراً- أو يزيد- مــن صنوف العنت والتعسف ما لم يكن مقبولاً أو مبرراً، وما بدا فى بعض الأوقات العصيبة فوق الاحتمال..غير أنها لم تبرح-رغم ذلك-موقعها، ولم تقايض على قيمها ومبادئها.. ولم تبدل أفكارها، وأولوياتها، وخطابها..مؤكدةً فى كل مواقفها على ما يلى:
أن بلادنا أحوج ما تكون إلى إصلاح ديمقراطى حقيقى سمته الأساسى أن يتسع لمجتمع مدنى مستقل عن الدولة.. وأن يتيح المساحة الكافية للمبادرات المتنوعة، والاجتهادات المختلفة.
أن مفهوم الديمقراطية-كما يعرفها عالمنا اليوم- لم يعـــــــــد قاصراً على المؤسسات التمثيلية (المجالس النيابية)، وحقوق الانتخاب، وإنما أضحى مضمونها الأغنى والأكثر عمقاً وأصالة هو المنظمات الجماهيرية..منظمات العمل الأهلى غير الحكومية، والحركات الاجتماعية..وكافة الأشكال التى ينتظم فيها الناس.. يمارسون نفوذهم، ويعبرون عن مصالحهم مباشرة.
إن مجتمعاً يطمح إلى التمتع بدرجة من الاستقرار الحقيقى- تسمح بتمكينه من التنمية والتطور- ليس له من غنىً عن الحوار والجدل الاجتماعى والمفاوضة المجتمعية بشأن مصالح الجماعات المختلفة التى تجد من خلال ذلك سبيلها إلى المشاركة فى صنع السياسات-أو على الأقل-التأثير فيها وتعديلها..-وهذه الضرورات لا تتحقق بغير توافر مختلف آلياتها التى لا يستغرقها مجرد الجلوس إلى مائدة المفاوضات..بل أنها بالضرورة لا بد أن تتسع لسائر أشكال وصور الضغط والتأثير التى تقودها وتباشرها منظمات المجتمع المدنى.
إن تفعيل آليات الحوار المجتمعى ..، والمفاوضة المجتمعية ربما كان الإنقاذ الوحيـد من القلاقل التى لا تحمد عقباها ، ومن نزعات العنف والتطرف التى تُطلقها-دون كابح- نقطة اللا توازن التى صار إليها مجتمعنا المصرى فى غيبة الآليات اللازمة للحوار والجدل الاجتماعى بين الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة ..آليات التنظيم والضغط والمفاوضة التى تأتى منظمات المجتمع المدنى فى مقدمتها ، والتى تستطيع من خلالها كافة الجماعات الاجتماعية التعبير عن مصالحها وممارسة نفوذها بصورة منظمة للتأثير فى صنع السياسات.
إن الحركات الاحتجاجية المتواترة التى شهدها مجتمعنا خلال العشرين شهراً الأخيرة- على الأخص فى صفوف العمال- ليست سوى تعبيراً عن أزمات ومطالب حقيقية، وليس لها من محرض أو دافع سوى صعوبة العيش التى باتت تصادفها فئات وشرائح واسعة من شعبنا على الأخص العاملين بأجر منهم.. وأن الخطوة الأولى فى مواجهة هذه الأزمات هى الاعتراف بها..بدلاً من البحث عن مشجب لتبريرها، أو محرض وهمى لإدانته، والإلقاء باللائمة عليه..ذلك أن العمال فى مصر-كما فى كل مكان على وجه الأرض- لم يحتاجوا يوماً إلى من يحرضهم على الإضراب الذى كان وسيظل آلية الضغط التى تفرض نفسها إذا ما تعذرت المفاوضة ..والوجه الآخر لمائدة المفاوضات الذى ربما كان السبيل إليها ، أو إلى تعظيم ثمارها ومكاسبها ، أو إلى تفعيلها واستئنافها إذا ما تعذرت.
إن القراءة الموضوعية لهذه الأحداث التى شهدتها الساحة العمالية إنما تشير إلى الإشكالية الكبرى التى ينطوى عليها الواقع العمالى.. حيث يفتقد العمال إلى منظمات نقابية تمثلهم ..تتبنى مطالبهم وتتفاوض بشأنها .. ومن ثم فإنهم يفتقدون إلى الآلية الضرورية لإجراء المفاوضة الجماعية مما يؤدى عملياً إلى استحالة إجراء هذه المفاوضة..حيث يصبح الإضراب هو الوسيلة الوحيدة الممكنة للمطالبة بالحقوق.
أن المكابرة التى تصر عليها بعض الأطراف والإصرار على احتكار الحق فى التعبير ومصادرة حقوق الآخرين لم ولن تعد تجدى فى ظل الأوضاع الحالية لمجتمعنا، وللعالم من حولنا.. وعلى ذلك فإن استناد اتحاد نقابات العمال المصرى إلى التقييد القانونىالذى يحول دون حق العمال المصريين فى تكوين نقاباتهم المستقلة خارجه، وإتكائه على سلطة الدولة كمصدر وحيد لمشروعيته لم يعد كافياً أو عاصماً له من افتقاد المشروعية متى رفضه العمال المصريون، ونظموا حركاتهم خارجه- بل وفى مواجهته-.
لقد حان الوقت ..ولم يعد منه متسع.. لنبذ العقلية الشمولية التى لا تعــرف الحوار إلا من جانب واحد.. ولا تتصور الاستقرار إلا فى هيمنة أجهزة الدولة على كل صغيرة وكبيرة فى المجتمع..والتى تسد الأبواب فى وجه الجدل الاجتماعى والمفاوضة المجتمعية الضروريان كليةً لتوازن المجتمع وتطوره..
لقد نظمت الدار حملتها مستخدمة كافة الآدوات ولوسائل المتاحة .من الدفاع القانونى إلى آليات الضغط ، ومن تنظيم الوقفات الاحتجاجية إلى الوفود الموسعة للجهات التنفيذية.. ساعية فى ذلك إلى كسب الأصدقاء والحلفاء، وإلى توسيع دائرة المؤيدين داخل البلاد ، وعلى المستوى الدولى...مستندة فى ذلك إلى نقاط قوتها التالية :
أنها منظمة كبيرة تعمل منذ ثمانية عشر عاماً.
أنها حائزة على جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان عام 1999 ، وعلى عدد من جوائز التقدير الأخرى.
أنها منظمة تتمتع بدرجة عالية من المصداقية فى الأوساط المختلفة-على الأخص- فى الحركة العمالية والنقابية العالمية.. الأمر الذى أهلها للمشاركة فى الكثير من فاعليات هذه الحركة، ومد جسور التعاون مع منظماتها واتحاداتها..فضلاً عن انتخابها لعضوية المكتب التنفيذى للاتحاد الدولى لمنظمات تعليم العمال.
أن العمل على الأرض وبين العمال المصريين والفئات الشعبية قد أكسبها جمهوراً واسعاً من المؤيدين، وأحاطها بهالة واسعة من النشطاء الذين يتمسكون بهويتهم كمنتمين للدار.
وكان من شأن نقاط القوة هذه أن تمكن الدار من البقاء والاستمرار رغم كل ما صادفته من عنت خلال الأزمة ..ذلك أن:
الدار كانت—وظلت--تعبيراً أصيلاً عن التيار الديمقراطى فى الحركة العمالية..وهى- بهذا المعنى-أعمق جذوراً من الأماكن والمقرات.
غلق المقرات والأماكن لا يمكن له أن يقضى على الأفكار ولا يحول دون حركتها وتطورها بل أنه على العكس قد يكون دافعاً لها.. وسبباً لاكتسابها زخماً أكبر.
نشطاء الدار ومؤيدوها وأصدقاؤها أبقوا على التفافهم حولها، والتمسك بها.
الحيوية والحراك اللذان يشهدهما المجتمع المصرى من شأنهما أن ينعشا الحياة فى القوى الجديدة لا أن يسمحا بالقضاء على القوى الحية فعلياً.
الأفكار والمبادئ التى تتمسك بها الدار وعملت فى إطارها طوال الأعوام السابقة .تتمتع بمشروعية يصعب النيل منها، ويجدُر احترامها على نحو يصعب الجدال فيه.
لقد واجهت دار الخدمات النقابية والعمالية فيما يزيد على العام صوراً شتى من الإجراءات المتعسفة، أغلقت مقراتها، وحوصرت أنشطتها..وبلغ الأمر حد الحكم-فى إحدى قضايا النشر-بالحبس سنة على منسقها العام الذى اضطر لسداد مبلغ ألف جنيه كفالة لوقف تنفيذ حكم حتى صدر الحكم الاستئنافى بتاريخ 27 فبراير الماضى بإلغاء هذا الحكم المطعون عليه.
غير أنها-على امتداد الأيام..بقيت الدار متمسكةً-فى قوة-بحقوقها تمسكاً لا مجال للبس فيه، وداعيةً-فى ثقة-إلى الحوار معها ..دون أن تكل من توجيه خطابها إلى كل من يتمتع بقدر من الرشادة والديمقراطية فى مجتمعنا.
وأخيراً..أصدرت محكمة القضاء الإدارى فى الثلاثين من مارس الماضى حكمها فى دعوى الدار رقم 38381 لسنة 61ق بوقف تنفيذ القرار الصادر فى حقها.
طالبت دار الخدمات النقابية والعمالية بالتنفيذ الفورى للحكم واجب النفاذ بكل ما يفترضه ذلك من إشهار قيدها، وتمكينها من فتح مقراتها جميعاً وممارسة أنشطتها دون قيود..داعيةً كافة القوى الحية والفاعليات الديمقراطية ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدنى والأحزاب السياسية إلى التضامن معها .ومؤكدةً على أنه لا يمكن لمجتمع تتضاءل فيه فرص اقتضاء الحق، وتحقيق العدالة أن يتوازن ويستقر، وينعم بانتماء أبنائه إليه، ومشاركتهم فى بنائه وتطويره.
وأخيراً.. كُللت حملتها، وجهود أبنائها والقوى الديمقراطية المتضامنة معها بالنجاح.. استجابت الحكومة لحكم المحكمة، مبديةً ترحيباً واضحاً بتنفيذه..فى مسلك رشيد تبدى فى حضور كل من وزير التضامن الاجتماعى، ووزيرة القوى العاملة الحفل الذى أقامته الدار بمناسبة إشهار مؤسستها الأهلية.
وإذا كانت دار الخدمات النقابية والعمالية قد أبدت ترحيبها بالخطوة الحكومية الإيجابية حيالها، آملةً فى أن تكون بادرة طيبة-غير استثنائية-ومؤشراً لتوجه أفضل، وعلاقة أكثر انفتاحاً وديمقراطية بالمجتمع المدنى، والمنظمات غير الحكومية-على الأخص-الحقوقية منها..فإنها يهمها فى ختام حملتها التأكيد على عدد من النقاط والملاحظات:
أن دار الخدمات مثلها كمثل غيرها من المنظمات غير الحكومية- كانت دائماً داعية حوار ومفاوضة أجتماعية ، وأن مأخذها الدائم على الحكومة والأجهزة التنفيذية كـان فى استنكافها عن الحوار، وإدارة الظهر له.
ـأن الحوار والمفاوضة يفترضان-بطبيعتهما-علاقة ندية بين طرفيهما، كما يفترضان امتلاك هذين الطرفين لأدوات الضغط والمفاوضة اللازمين.. وفى مقدمتهما حرية الإرادة والاختيار، والقدرة على الفاعلية والنشاط دون قيود قانونية أو إدارية.
أن المسلك الرشيد للحكومة ممثلةً فى وزارة التضامن الاجتماعى، ووزارة القوى العاملة-على ما بدا فيه من رشادة ، وما انطوى عليه من مبادرات غير معتادة-هو فى واقع الحال حقٌ للدار تأخر الإقرار به، واستجابة لحكم قضائى يتوجب تنفيذه.
إن الدار إذ تقتضى حقها الذى طالما طالبت به..معلنةً عودتها إلى مقراتها، واستئناف أنشطتها جميعها متمسكةً فى ذلك بمبادئها وأفكارها وأولوياتها.. إنما ترى فى ذلك اقتضاء لحق نشطائها، وأصدقائها، وجمهورها المتعاطف معها..اقتضاءً لحق العمال المصريين فى أن يجدوا الدعم والمساندة والأصوات المطالبة بحقوقهم الديمقراطية-وعلى الأخص-حقهم فى أن تكون لهم منظماتهم النقابية المستقلة الديمقراطية الفاعلة.
إن الدار إذ تقتضى حقها الذى طالما طالبت به لا يسعها سوى الإعراب عن امتنانهـــــا العميق لكل من قدم عوناً أو بذل جهداً دفاعاً عن قضيتها-ذاكرةً فى هذا الشأن الجهد الملموس للمجلس القومى لحقوق الإنسان-ومقدمةً جزيل شكرها لكل من تضامن معها إبان محنتها من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدنى، والمدافعين عن الديمقراطية وحق التعبير داخل مصر، وخارجها،-وعلى الأخص-الحركة العمالية والنقابية العالمية..
الجمعة الموافق 25/7/2008









Add a Comment
<<Home